أخبار وطنية سبيبة: شيخ المعتصمين من معطّل عن العمل الى فاقد للأمل.. حكاية أستاذ تعليم ثانوي مع ايقاف التنفيذ
اتّخذ لنفسه زاوية في بهو المعتمدية مفترشا شيء من القماش الأبيض مكتوب عليه "التشغيل حق دستوري" متلحّفا براية حمراء يتوسّطها هلال ونجمة خماسية الأضلاع، ينظر الى باقي رفاقه بوجه بائس كساه الشيب وينفث بصفة متواترة دخّان سيجارته وكأنّه يحاول أن يخفي حالة من اليأس تترجمها عيناه الحزينتان.
هذه ليست صفات سجين ارتكب جرما بل هي بعض ملامح رجلا بلغ من العمر 45 سنة قضّى نصفها طالبا للعلم والنصف الآخر طالب للعمل وهاهو مازال يركن كآلة متآكلة مجرّدا من ادنى شروط الانسانية وهي الكرامة في احدى زوايا معتمدية سبيبة.
العم بشير الداودي كما يناديه رفاقه المعتصمين من اصحاب الشهائد العليا من مواليد 1972 ينحدر من عائلة ظروفها الاجتماعية صعبة تتكوّن من 11 فردا أغلبهم بلا مورد رزق متحصّل على شهادة الأستاذية في العربية منذ سنة 2004 وهو الأمل الذي انتظره والدية لينقذهم من الخصاصة والفقر لكنّهم هرموا وهرم وتحوّل الحلم الى كابوس.
"شيخ المعتصمين" كما يلقّبه رفاقه يطلق صرخة استغاثة يروي لموقع الجمهورية" تفاصيل رحلة البحث عن العمل وحكاية موت بطيء لبقايا أمل. يرفع رأسه ببطء وكأنّه يحاول ان يسترجع كومة ذكريات قاسية ويتحدّث بصوت متقطّع: "منذ ان تحصّلت على الأستاذية وأنا اعاني كل أشكال العذاب النفسي اذ التحقت بالقطاع الخاص لمدّة ثماني سنوات متتالية تراوحت بين "المدرسة الخلدونية" بتونس والمدرسة "الخاصّة بسبيبة مقابل أجر زهيد جدا لم يكن كاف لتوفير قوتي اليومي ولم اجن الا الاستغلال والاستعباد وتزايد الشيب برأسي ولم أيأس بل انتقلت الى منظومة النيابات أين درّست بمعاهد ثانوية مختلفة بولاية القصرين على أمل أن يقع تسوية وضعيتي نظرا لكبر سنّي وتجربيتي وظروف عائلتي القاسية لكن ها أنّ سنة الخامس وأربعين من عمري تلفظ أنفاسها الأخيرة دون أن اظفر بلقمة عيش تحفظ كرامتي".
يتنهّد العم بشير بعمق وكأنّه غريق يختنق، يحبس دمومه ويواصل قائلا "ها أنا مثل خرقة بالية ملقاة على أعتاب باب معتمدية سبيبة أقاسم رفاقي المعتصمين من اصحاب الشهائد العليا مرارة البطالة وندفع سويّا ثمن منظومة فاسدة سرقت منا العمر الجميل.. لقد كان حلم والديّ ان أكون سندهما ولكن لم أستطع حتى أن أسند نفسي. اعتصمت أمام وزارة التكوين المهني و التشغيل لأكثر من شهرين وأمام وزارة التربية لمدة 45 يوما دون احتساب الوقفات الاحتجاجية وها أني الى حدّ اليوم معتصم صحبة رفاقي بمقر معتمدية سبيبة منذ 20 جانفي 2016 ولم أجن الا مرضا وتعبا واشتعل الرأس شيبا. أشهر معدودات وتنتهي صلوحيتي واصبح ممنوع من الالتحاق بالوظيفة العمومية.. أواصل اعتصامي ليس املا في ايجاد عمل حسبته حق في وطني بل لأني عاجزا أن أرفع عينيّ في وجه والديّ اللذان انتظراني 45 سنة عسى أن أزيح عنهما شيئا من الفقر والخصاصة".
علاء الزلفاني